في المشاريع الكبرى، لا تكمن التحديات الحقيقية في أصول عمليات المؤسسة (Organizational Process Assets – OPAs) وحدها فقط، بل في العوامل المحيطة بالمشروع (Enterprise Environmental Factors – EEFs) وتحديداً الداخلية منها, كالثقافة والهيكل والحوكمة: مثل الرؤية، والمهمة، والقيم، وأسلوب القيادة، والتسلسل الهرمي،التوزيع الجغرافي للمرافق والموارد، البنية التحتية، برمجيات إدارة المشاريع وقدرات الموارد البشرية.

تحديات الحوكمة في مشاريع التحول

تخيل أنك في رحلة بمركبتك التي شاء القدر أن يكون المسار يمر في نفق, ضعيف الإضاءة, تنخفض سرعة المركبات من حولك, تتضخم الأصوات من حولك, وينقطع الاتصال، وتظهر رسالة لوحة القيادة: “إشارة GPS مفقودة”. هذا هو حال المشاريع عندما تغيب عنها “الحوكمة الحقيقية”؛ تلك الحوكمة التي تمنح المعنيين بوصلة للأدوار والصلاحيات، لا مجرد إجراءات روتينية ونظرية.

فخ “الانحراف عن خط الأساس”

في المشاريع المتوسطة والطويلة، الانحراف عن “خط الأساس” (Baseline) ليس احتمالاً بل هو حتمية. حيث تتبدل الفرق والكفاءات، يتوسع النطاق، وتكثر المتطلبات المستحدثة. المشكلة الجوهرية ليست في “الفجوة” بين ما خُطط له وما يتم تنفيذه، ومتى نصل إلى المعلم التالي في الجدول الزمني، بل في ردة الفعل. فعوضاً عن “جلسات مراجعة” لتقييم المسار، تتحول الاجتماعات إلى سياسة “تحديد المذنب”.

وهنا يأتي دور المتابعة الحقيقية و التقييم المرحلي الذكي والذي من أدواتها جلسات المراجعة.

سؤال المليون
كيف تم الإنحراف؟ أم كيف سيتم تصحيح المسار؟

القاعدة الذهبية: “نحن” لا “أنا” و”أنت”

في هذة الجلسة ينصح بأن يتم إعادة صياغة دورة حياة المشروع بصيغة الجمع لا المفرد إن لم تكن من البداية مصاغة بهذا الشكل ( أستعدينا لمشروعنا بكذا، وخططنا لمشروعنا كذا، ونفذنا مشروعنا بالطريقة كذا ، والأن نقييم مشروعنا كذا حتى نغلقه بالصورة كذا؟ )

فأسوأ ما قد يواجه المشروع هو تجزئة المسؤوليات لإلقاء اللوم. والقاعدة الذهبية في هذة الجلسة لا لشخصنه المراحل والإجراءات, يأخذ المشروع كوحدة واحدة ككل ولا يجزء ( محلّل الاعمال كتب كذا، مطور الأعمال صمم لنا كذا وتبين أنه ذاك ، مدير المشروع نفذ هذه بتلك )

هذا النهج لا يحل المشكلة، بل يبني جدران الدفاع النفسي بين أعضاء الفريق، مما يزيد من تعقيد “الكهف المظلم” ويجعل نفق الطريق الذي يقبع فيه المشروع أطول مما نظن. وعندها سيبقى المشروع في نفس الكهف المظلم ولن يخرج منه أصحابه – هم ) ( هنا لا أقصد صاحبه الذي في مثال السيارة – هو )

مخرج مؤقت: عندما نتحدث بصيغة الجمع، نحن لا نُعفي المقصر من مسؤوليته، بل نضع “نجاح المشروع” كأولوية قصوى تتجاوز الهويات الشخصية. ومعها توضع الدروس المستفادة لإدارة معرفة حقيقة.

مدرسة “أصحاب الكهف” في إدارة المشاريع

لنتأمل جميعا في قمة النضج الجماعي الذي خلده القرآن الكريم وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) الكهف

عندما استيقظ أصحاب الكهف، بدأوا بالتساؤل: “كم لبثنا؟”. كان سؤالاً عن الماضي، عن زمن ضاع، وعن تفاصيل لا تقدم حلاً فورياً. لكن النضج الجماعي ظهر عندما حسموا هذا الجدل بقولهم: “رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ”. انتقلوا فوراً من “الجدل حول الماضي” إلى “الحل العملي للمستقبل” أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ

فلم يتسالوا عن الماضي (كم لبثنا؟) بل انتقلوا إلى البحث عن الحل الأنسب للمستقبل (أيها أزكى طعاماً).

في مشاريعنا، نحتاج لتعلم هذه الثقافة:

  • • التوقف عن الجدل العقيم حول أسباب التعثر التي لا يمكن تغييرها.
  • • التركيز على “الوَرِق” (الموارد المتاحة حالياً).
  • • البحث عن “أزكى طعاماً” (أفضل مخرج ممكن للمشروع).
  • • الالتزام بـ “ولا يشعرن بكم أحداً” (الحفاظ على تماسك الفريق أمام المعنيين الخارجيين وحماية النطاق العام المشروع ).

ختاما نستذكر أن كل مشروع هدفه التغيير، فماذا سيتغير في إدارة مشاريعنا بعد هذا المشروع؟

وفي المرة القادمة التي يشعر فيها فريقك أن إشارة GPS انقطعت؛ تذكروا درس أصحاب الكهف: توقفوا عن السؤال “كم ضاع منا؟” واسألوا: “ما أزكى طعام يمكننا الوصول إليه من هنا؟”


اكتشاف المزيد من د. عبدالهادي العتيبي

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.